تاريخ حرضة دمت وفوهة ثريد: أسرار وحقائق تكشفها المصادر التاريخية
**بقلم ✍️ عرفات الفتاحي**
تعد مدينة دمت اليمنية واحدة من أشهر المدن السياحية والعلاجية، لكن هل تساءلت يوماً عن أصل تسميتها التاريخية؟ وما هي قصة الفوهة البركانية الشهيرة (الحرضة) في كتب المؤرخين؟ في هذا المقال، نسافر عبر الزمن لنكشف التاريخ الخفي لمدينة دمت وفوهة ثريد.
## ما هو الاسم القديم لمدينة دمت؟
اعلم أن الاسم القديم لمدينة دمت هو **(ثريد)**، فقد ذكره لسان اليمن لسان الدين الهمداني ضمن البلدان الواقعة في محجة صنعاء وعدن (ويقصد بالمحجة الطريق النبوية أو المسار الرئيسي للسفر).
وقد عدّ الهمداني "ثريد" من مناطق جيشان من بلاد رعين، وجدير بالذكر أن **جيشان** هو الاسم القديم لمحافظة الضالع الحالية. ولا زال **وادي ثريد** يحمل هذا الاسم حتى اليوم، وهو وادي خصب تجتمع إليه سايلة بنا وخبان عند مدخل مدينة دمت.
## كيف جاءت كلمة "دمت" بدلاً من "ثريد"؟
المشهور في اليمن وجود مدينتين تحملان اسم "دمت":
1. **دمت العدين (الأولى والأشهر تاريخياً):** في الوقت الذي كانت فيه دمت الضالع تسمى "ثريد"، كانت هناك هجرة في العدين تسمى "دمت" في العصرين الصليحي والرسولي. وتقع في عزلة الأفيوش شمال وادي نخلة (عند حدود العدين مع شرعب)، ولا زال جبل دمت قائماً هناك. وقد خرج من دمت هذه علماء وفقهاء أشهرهم:
* عفيف الدين صالح بن أحمد الدمتي (المتوفى ٨١٢هـ).
* قاسم بن عمر الدمتي (تلميذ الإمام ابن الجزري).
2. **دمت الضالع (المدينة الحالية):** عند سقوط الدولة الرسولية وقيام دولة بني طاهر في جُبن والمقرانة، رحل الكثير من سكان مناطق اليمن لمجاورة الطاهريين في عاصمتهم جُبن. وكان ممن رحل أهل "دمت العدين"، فنزلوا في قرية دمت القديمة بالضالع، وسموا المكان باسم **"دمت الأفيوش"** حنيناً لبلدهم وذكراه.
> ومنذ ذلك الوقت، غاب اسم "ثريد" عن المحلة والحرضة (إذ كانت تسمى سابقاً فوهة ثريد)، وبقي الاسم حكراً على جزء من الوادي فقط.
>
## سر التسمية: "من استولى عليها صارت اليمن له كالثريد"
يعلل صاحب كتاب *تاريخ المستبصر* أن اشتقاق اسم **فوهة ثريد** قادم من اشتقاق ثريد الخبز واللحم؛ فكل من يملك الحصن القائم عليها، يبقى إقليم اليمن أمامه كأنه جفنة من الثريد، يأكل منها ما اشتهى وما أراد.
ويُعَدُ **ياقوت الحموي** أول من أشار إلى حرضة دمت في كتبه بقوله:
> "ثريد بفتح أوله، حصن باليمن لبني حاتم بن سعد، يقال إن في وسطه عيناً تفور فوراناً عظيماً". ومنه نقله القطيعي في كتاب *مراصد الاطلاع*.
>
وهنا يبرز تساؤل وعلامة تعجب: كيف أغفل الحسن الهمداني -رحمه الله- مؤرخ اليمن ولسانها، ذكر هذه الفوهة البركانية العجيبة مع أنه ذكر المكان ومواضع أخرى أقل منها أهمية؟
## حرضة دمت: كانت يوماً شديدة الحرارة غارقة بالأساطير
لا شك أن أي مكان بركاني خامد كان يوماً ما يفور حِمماً ولهباً، وكذلك كانت فوهة دمت!
قال **ابن المجاور** وهو يتحدث عنها في زمنه: *"ما أوكر عليها طير إلا وقع من ساعته ميتاً، ولا يزال تحتها طيور موتى من كل فن"*.
وحتى هنا، قد نتفق مع صاحب *المستبصر* في كثير من وصفه، إلا أنه أضاف قائلاً: *"وهو ماء عذب وقد يرى فيه الأسماك ودواب البحر وموج هائل"*. وهنا لك أن تتساءل عزيزي القارئ:
* هل كان ماؤها في زمنه عذباً حقاً وفيه دواب البحر والأسماك؟
* هل كانت تفور بالأمواج العاتية؟
* أم أن الأمر -كعادة صاحب المستبصر- لا يخلو من سوق الأساطير والحكايات الشعبية أحياناً؟
## حصن الحرضة البركانية والدفاع العسكري
يظهر من القراءات التاريخية أن الحرضة كان يحيط بخارجها وعند أصلها الجبلي أسوار وبيوت تشكل حصناً عسكرياً متكاملاً بكل مرافقه.
جاء في *التاريخ المستبصر*:
> "وقد بني على ساحله مستدار بالبحيرة، وبني داخل السور ثلاثة دور لا غير، يسكن في أحدهم ثلاثة رجال، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة رجال، يبلغ عدد القوم اثني عشر رجلاً رتبة (حامية عسكرية)".
>
ويبين المصدر نفسه مدى مناعة وحصانة حصن الحرضة، حتى إن الأيوبيين لما فتحوا اليمن عجزوا عن اقتحامه، إذ يقول: *"ولم يقدر أحد من ملوك الغز (الأيوبيين) على أخذها من أربابها بني سيف"*.
## وصف فوهة دمت في القرن التاسع الهجري
نختم هذا المقال بما سطرته بنان المؤرخ **تاج الدين عبدالوهاب بن عبدالرحمن البريهي** (المتوفى سنة 874هـ)، والذي عاصر سقوط الرسوليين وقيام دولة بني طاهر، حيث قال رحمه الله واصفاً الينابيع:
"وفي اليمن مواضع كثيرة ينبع منها الماء الجاري كالذي يوقد عليه في الحمام، منها المكان الذي سمي **حمام ثريد** وهو قريب من قرية دمت المشهورة بين المقرانة وخبان، وهو أكمة صغيرة فيها بعض حمرة رأسها محفور كالبركة الكبيرة مدورة، والماء في وسطها مكشوفاً بعيداً نحو ثلاثة رماح قصار، ويخرج الماء من مكان بعض هذه الأكمة وهو شديد الحر، يقصده الناس من كل ناحية يغتسلون فيه، ولا يجري ذلك الماء إلى مكان بعيد غير المكان الذي يخرج منه، بل تشربه الأرض التي يخرج إليها، ولا ينقص الماء الذي في الحفيرة في رأس الأكمة ولا تناله الأيدي".
### ماذا نستنتج من كلام البريهي؟
1. نفهم من هذا الوصف أن ماء الحرضة في زمنه (القرن التاسع الهجري) كان مرتفعاً ربما إلى نصف الحرضة، لأن المسافة لسطح الماء كانت بمقدار "ثلاثة رماح قصيرة" فقط (عكس جفافها الشديد اليوم).
2. الماء الحار الذي كان يخرج من أسفل الأكمة ويغتسل فيه الناس، هو النبع المعروف اليوم بـ **حمام عاطف**.
ثم يختم البريهي حديثه عن بقية الينابيع والحرضات الصغيرة المحيطة بقوله: *"وقريب هذا المكان مواضع كثيرة يخرج منها الماء الحار وهو قليل، وأما هذا الأول (حرضة دمت الكبرى) فهو كثير"*.
*حرضة دمت، فوهة ثريد، تاريخ دمت، مدينة دمت الضالع، حمام دمت، تاريخ اليمن الهمداني، دمت الأفيوش، حمامات طبيعية في اليمن.*
