لماذا كان الوعل رمزاً متفرّداً في الحضارة اليمنية القديمة
تمهيد
احتلّ الوعل مكانة رمزية فريدة في الوعي الديني والاجتماعي لليمنيين القدماء، حتى غدا أحد أكثر الرموز حضوراً في النقوش المسندية والتمثيلات الفنية. ولم يكن هذا الحضور اعتباطياً، بل ارتبط بجملة من الصفات الطبيعية والسلوكية التي رآها الإنسان القديم تجسيداً للقوة، والشموخ، وحسن القيادة، والقدرة على الإدراك والتنبؤ.
الوعل اليمني: الطبيعة والقدرة على الاستشعار
يُعرف الوعل اليمني بأنه حيوان بري يتمتع بقدرة لافتة على استشعار التغيرات الجوية، ولا سيما البرق الذي يسبق هطول الأمطار. وقد لفتت هذه القدرة أنظار الإنسان اليمني القديم، الذي كان يعتمد في حياته الاقتصادية والمعيشية على المطر والمراعي، فربط بين سلوك الوعل ودلالات الخصب والحياة.
ظاهرة «جنون الأوعال» في فترات الجدب
في أزمنة الجفاف وتأخر نزول المطر، تُروى ظاهرة مميزة عُرفت شعبياً بـ«جنون الأوعال». إذ يُشاهد القطيع وقد اعترته حالة من الهياج والاضطراب، فتتعالى أصوات الثغاء وتبدو عليه علامات الإجفال.
وسط هذه الحالة، ينفصل عن القطيع أكبر فحول الوعول جسماً وأشدّها قوة، فيندفع صاعداً نحو أعلى قمم الجبال في المنطقة. وما إن يبلغ القمة حتى يختار أعلى صخرة فيها، ثم يعتلي أشدّ مواضعها ارتفاعاً، جامعاً قوائمه الأربع في توازن مدهش على ذروة حادة.
الوعل القائد: الرؤية والتنبؤ
يقف الوعل في ذلك الموضع العالي ملتفتاً في جميع الاتجاهات، ضارباً ببصره في أعماق الأفق، مميزاً لمعان البرق ومواضع تشكّل الغيوم ونزول المطر. وبعد أن يمكث على هذه الحال زمناً، يبدأ في الانحدار السريع عائداً إلى القطيع.
وعند وصوله، تزول عن القطيع مظاهر الفزع والاضطراب، إذ يتبعه إلى المناطق التي يكثر فيها الكلأ والماء. وقد رسّخت هذه الصورة في المخيال الجمعي معنى القيادة الرشيدة، والقدرة على الاستشراف، والاهتداء إلى منابع الحياة.
الدلالة الرمزية في الحضارة اليمنية القديمة
هذه الصفات مجتمعة — القوة، والشموخ، والإدراك، والتنبؤ، وحسن قيادة الجماعة — جعلت من الوعل رمزاً مثالياً في الحضارة اليمنية القديمة. لذلك اتخذه الإنسان اليمني رمزاً مقدساً، ومنحه مكانة متفرّدة دون سائر الحيوانات، فحضر في النقوش المسندية، والتماثيل، والعناصر الزخرفية المرتبطة بالمعتقدات والطقوس.
خاتمة
لم يكن تقديس الوعل تعبيراً عن الإعجاب بجماله الجسدي فحسب، بل كان انعكاساً لرؤية كونية عميقة ترى في سلوكه دليلاً على الحكمة والقدرة على الاتصال بقوى الطبيعة. ومن هنا نفهم لماذا ظلّ الوعل أحد أكثر الرموز رسوخاً في الذاكرة الحضارية لليمن القديم.
---
إعداد: رياض الفرح
عن: مطهر الإرياني، نقوش مسندية وتعليقات
#يوم_الوعل_اليمني
#الحضارة_اليمنية
#النقوش_المسندية
